صديق الحسيني القنوجي البخاري

193

أبجد العلوم

لهذا العهد شهيدا بسعاية أعدائه ، وكان له في اللسان ملكة لا تدرك . واتبع أثره تلميذه بعده . وبالجملة فشأن هذه الملكة بالأندلس أكثر ، وتعليمها أيسر وأسهل ، بما هم عليه لهذا العهد - كما قدمناه - من معاناة علوم اللسان ومحافظتهم عليها ، وعلى علوم الأدب وسند تعليمها . ولأن أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارءون عليهم ، وليست عجمتهم أصلا للغة أهل الأندلس والبربر في هذه العدوة وهم أهلها ولسانهم لسانها ؛ إلا في الأمصار فقط ، وهم فيها منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربرية ، فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللسانية بالتعليم بخلاف أهل الأندلس . واعتبر ذلك بحال أهل المشرق لعهد الدولة الأموية والعباسية ، فكان شأنهم شأن أهل الأندلس في تمام هذه الملكة وإجادتها ، لبعدهم لذلك العهد عن الأعاجم ومخالطتهم إلا في القليل . فكان أمر هذه الملكة في ذلك العهد أقوم ، وكان فحول الشعراء والكتاب أوفر لتوفر العرب وأبنائهم بالمشرق . وانظر ما اشتمل عليه كتاب ( الأغاني ) من نظمهم ونثرهم ، فإن ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم ، وفيه لغتهم ، وأخبارهم ، وأيامهم ، وملتهم العربية ، وسيرتهم ، وآثار خلفائهم وملوكهم ، وأشعارهم ، وغناؤهم ، وسائر مغانيهم له ، فلا كتاب أوعب منه لأحوال العرب . وبقي أمر هذه الملكة مستحكما في المشرق في الدولتين ، وربما كانت فيهم أبلغ ممن سواهم ممن كان في الجاهلية - كما هو المعلوم - حتى تلاشى أمر العرب ، ودرست لغتهم ، وفسد كلامهم ، وانقضى أمرهم ودولتهم ، وصار الأمر للأعاجم والملك في أيديهم والتغلب لهم ، وذلك في دولة الديلم والسلجوقية . وخالطوا أهل الأمصار والحواضر حتى بعدوا عن اللسان العربي وملكته ، وصار متعلمها منهم مقصرا عن تحصيلها . وعلى ذلك تجد لسانهم لهذا العهد في فني المنظوم والمنثور وإن كانوا مكثرين منه . واللّه يخلق ما يشاء ويختار ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه » « 1 » . * * *

--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 656 ) .